حاضرة الفاتيكان تنشر فضائح انتهاكاتها الكنيسة لاعتذار من اجل اعادة ترميم التاريخ


نشرت حاضرة الفاتيكان قبل عدة ايام ملفاً من 800 صفحة حول الفصول الاليمة التي وصفت بالاخطاء الجسيمة للكنيسة الكاثوليكية التي سادت بها، اعمال التعذيب والقتل والاضطهاد الديني التي رافقت حملات ما عرف بمحاكم التفتيش الديني في القرن الثالث عشر.

وهذه الخطوة الثانية التي تقدم عليها الكنيسة الكاثوليكية، بعد ان قدمت قبل اربع سنوات اعتذاراً رسمياً الى الجميع بمن فيهم العرب والمسلمون عما اصابهم من جراء الحروب الصليبية التي تعتبر اعنف اتصال بين الشرق الاسلامي والغرب المسيحي، واعتبرت بمثابة لفتة تاريخية كبيرة، هدفها البحث عن الغفران لآثام الكنيسة المسيحية في الماضي، وتعزيز روح التسامح بين الاديان، واقامة جسور اكثر عمقاً ومتانة للاسهام في تطوير وتعميق الحوار بين الحضارات والشعوب والاقوام التي تحيا على كوكبنا الارضي.

مبدأ التسامح الحقيقي الذي ادخله العالم في قواميسه الجديدة، وهو يسير في بدايات الالفية الثالثة ويدخل آفاق القرن الجديد، الذي اطلق عليه قرن التحضر والتقدم، سيمهد لكل شعوب وجماعات الارض، الطريق الى تقديم الاعتذار لبعضها البعض عن العديد من المظالم والاستباحات والانتهاكات التي شهدتها في تاريخها الطويل، اذ ادرك باباً الفاتيكان الحالي كونه فيلسوفاً بالدراسات التاريخية، وعبر اكثر من مرة عن اعتقاده بأن احد مهامه البابوية اعادة بناء الجسور المكسورة بين الدين، والعقلانية، وبين المسيحية والاديان الاخرى، وخاصة الديني الاسلامي واليهودي، اذ يجمع المؤرخون على ان واحداً من الآثام الكبيرة يتمثل في الحروب الصليبية التي شهدتها العصور الوسطى والتي تعتبر اكثر الفصول ظلاماً في تاريخ الكنيسة، يقف ورائها دافع ديني استعماري استهدف احتلال الاماكن المسيحية المقدسة، وقف من ورائه بابا متعصب هو اروبان الثاني الذي اطلق شعاراً مغرضاً وكاذباً (الرب يريد ذلك) وكان يراوده الامل في توسيع دائرة نفوذه، مسخراً المجمع الكنسي (سيندوس) الذي عقد عام 1095 ليصدر امره التعسفي بالاستيلاء على الاراضي المقدسة من ايدي المسلمين بالقوة وليجمع من حوله كل القوى الاصولية والسلفية المتعصبة لحمل السلاح، لإرتكاب واحدة من ابشع المذابح التي شاهدها تاريخ العصور الوسطى، حيث قام جيشه المؤلف من الف وخمسمائة من الصليبيين بعد اربع سنوات على ذلك الامر بنهب مدينة القدس وذبح ما يزيد على مائة الف رجل وامرأة وطفل، ممن التجأوا الى الجوامع، والمختبئين في السراديب، وبذلك انهوا فرص التعايش السلمي ما بين الاسلام والمسيحية، واحتلت فكرة الصراع موضع العقيدة في التكوين الثقافي للانسان الغربي لقرون طويلة.

وقد استمرت حملات الرعب التي كان يقودها التعصب الاعمى اكثر من مائتي سنة في ست حروب ما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر نهبت واحرقت الارض بما فيها من ناس واموال ومبان وحيوانات، وزرعوا البغض والتعصب والكراهية بين الاديان الرئيسة الثلاثة، اذ شهدت المنطقتان جموعاً كثيفة وجيوشاً جرارة هي في الواقع هجرات اخذت تتدفق من غرب اوربا متسربلة بمسوح الدين ومتخذة لها شعاراً زائفاً يتمثل في انقاذ بيت المقدس من ايدي (المارقين) ولكن ثمة دوافع كانت اعمق من الشعارات الدينية البراقة التي رفعها الصليبيون.

لقد عاد البابا البولوني (كارلو ويتيلا) صاحب سياسة (ريا بوليتيك) وصاحب المركزية القوية التي تجعل منه زعيماً سياسياً يحمل نظرية كونية للقرن الجديد بعد ان شهد القرن الماضي انهيار النظريات الكونية يملأ الدنيا ويشغل الناس في ظل نظام عالمي جديد ليعيد لأكبر كنيسة مسيحية في العالم دورها السياسي والاجتماعي بعد قرون من الظلامات، وليخرجها من عزلتها واعادة الاعتبار اليها، وليصل صوتها الى بلدان وقارات لم يكن لها فيها وجود من خلال سياسة الانفتاح والمراجعة، ودعم قضايا التحرر ومحاربة الفقر وانصاف العدالة، واعتماد سياسة الحوار مع الديانات الاخرى، واتباع دبلوماسية ثلاثية الابعاد منذ اعتلائه الكرسي البابوي عام 1978، ليزيل الشوائب التي علقت بتاريخ الفاتيكان ومكانته نتيجة العديد من الممارسات الفردية وغير الحكيمة التي نسبت الى الكنيسة الكاثوليكية في فترات متعددة من تاريخها الطويل الذي يمتد الى الفي سنة، وتفعيل التفاهم وتعظيم لغة الحوار المشترك بين الفاتيكان والعالم.

ان الكنيسة وهي تفتح صفحة جديدة في تاريخها بالاعتراف بالذنب ومعاقبة ذاتها تكفيراًُ عن خطاياها في القرن الثالث عشر، انما تخطو بجلاء خطوة الى المستقبل تتمثل في المصالحة مع الذات اولاً، ومع المذاهب المسيحية الاخرى والاديان الاخرى، وتقف قضية الحملات الصليبية التي وصفها العديد من اللاهوتيين المتنورين بأنها (جنون في اراقة الدماء) تقع في اطار بين الجانبين، انعكس على كتابة صفحات طويلة من التاريخ بعيداً عن الحقائق وفي اقل تقدير بعيداً عن الموضوعية، اذ مازال التحيز والتعصب والى يومنا الحاضر يوصف هؤلاء الذين قاموا بعمليات القتل واستباحة الارض والاعراض، بأنهم من الابطال والفاتحين والمحررين.

ان عودة الى تلك المظالم الوحشية التي وقعت خلال عقود العنف التي لم يسلم منها حتى مسيحيو المنطقة بكل مذاهبهم، فضلاص عن اليهود والاقوام الدينية الاخرى التي كانت تعيش في امان وتعايش، طبعت العلاقة بين الديانات والطوائف والمذاهب بطابعها الذي تمثل بالحساسية العدائية، وجعلت من المستحيل محوها او تحويرها او شطبها، لأنها كانت علاقات مجابهة وحرب وعداوة، انعكست بشكل سلبي على علاقة الغرب بنفسه والغرب مع الآخرين.

والغريب ان العرب لم يسمعوا من احد طيلة قرون طويلة اي اعتذار من احد لما عانوا منه من سلسلة من الغزوات والمذابح والاستباحات والاستعمار، والظلم الذي تسلط عليهم طيلة فترات طويلة، مع ان اليهود حصلوا على اعتذارات اكثرمن دولة، وحصلوا على تعويضات مالية فخمة مقابل الاضطهاد النازي لهم اثناء فترة الحرب العالمية الثانية، والهنود حصلوا على اعتذار رسمي من الانكليز لما اصابهم من مظالم اثناء فترة الاحتلال الانكليزي، واليابانيون حصلوا على اعتذار المسؤولين الامريكيين لما الحقهم من اضرار انسانية واخلاقية ومادية نتيجة الحرب العالمية الثانية وهنالك العديد من الشعوب التي حظيت هي الاخرى باعتذارت وتقديم التعويضات، ويجيء اعتذار الفاتيكان ليعيد تركيب التاريخ على نحو جديد.

فاعلان هذه الوثيقة الجديد التي تتألف من 800 صفحة، هي ممارسة جريئة لنوع من النقد الذاتي والمراجعة التي تستند الى الاعتراف بالاخطاء التي ارتكبت في مراحل تاريخية سابقة وعلى رأسها محاكم التفتيش او بالاحرى محارقها التي التهمت الكثير من المورسكيين الابرياء في اسبانيا، وراح ضحيتها آلاف الابرياء من عرب صقلية ومدينة لوشيرة التي تعتبر آخر معاقل المسلمين في ايطاليا، ومن ثم رد الاعتبار لمن تمت الاساءة اليهم، وهو ما حدث بالفعل مع العالم الفلكي الايطالي غاليليو غاليلي (1564 - 1642) حيث قدم الفاتيكان اعتذاراً رسمياً لهذا العالم الجليل لكل ما تعرض له من اساءة بسبب اعلانه ان الشمس هي مركز الكون وليس الارض مثلما كان سائداً قبل ذلك، ويعتذر الفاتيكان الآن عما لحق الفيلسوف الديني جوردانو برونو الذي احرقته محاكم التفتيش المسيحية عام 1600، وما لحق بالراهب الدومنيكاني سافونا رولا (1452 - 1498 ) الذي طالب بإصلاح الكنيسة، والقائمة ستطول وتمتد في خطوات جادة وجريئة تعتبر الاولى من نوعها لتصفية حسابات العديد من الاخطاء التي ارتكبتها الكنيسة خلال الفي عام مع التاريخ عن طريق طلب الصفح.

يبدو ان البابا يوحنا بولس الثاني الذي عزم على تدشين عالم ما بعد الحرب الباردة، في عالم ثري بالمجاعات والمجازر والكوارث، يريد اعادة ترتيب امور ( البيت الكاثوليكي) قبل الرحيل الاخير، فهو مازال رغم امراضه المتعددة يجر شيخوخته وجراحاته وكذلك آماله، ليعلب دوراً اساسياً وفعالاً في عصر سقطت فيه الايديولوجيات فإنهارت القيم والمثل ليحل محلها العنف والقتل والحروب والهمجية والتعصب وسلطة المال، فهو يريد ان (يسد فراغا) احدثه انهيار الشيوعية سواء على الصعيد الايديولوجي ام على الصعيد الاجتماعي، فوثيقته الجديدة تحدٍ للعديد من القيم والقناعات التي سادت في فترات تاريخية، كما ان التوجه نحو الاعتذار عن الجرائم التي ارتكبت من قبل المشروع الصليبي وليس من قبل المسيحية، هو تعبير عن نزوع ديني اصيل للمسيحية، ويصب في سياق الجهود المتواصلة من اجل اقامة صحية واحياء ما هو مشترك بين هذه الديانة والديانات والمذاهب الاخرى.

ان الاعلان التاريخي المهم بجميع المعايير يعد حدثاً تاريخياً كبيراًُ يضاف الى قائمة الاحداث العالمية التي ارتبطت بالتحولات الكبيرة وسياسة الانفتاح التي يشهدها العالم، فهو ضربة للتزمت بجميع معانيه وذرائعه اطلقها بابا الفاتيكان بوجوب تأسيس ارضية للحوار بين كل الثقافات العالمية، مثلما هي خطوة اضافية في سلسلة الخطوات التاريخية للبابا من اجل استعادة دينامية التغيرات والتقارب الايماني الاصيل بين مختلف الديانات السماوية، لاسيما ان الخلافات تبقى في نصوص التشريعات لا في اصولها او مصادرها.

الوثيقة في دلالاتها المعنوية، تتصل ايضاً بمبادئ الحوار بين الاسلام والمسيحية في الظرف الراهن، وفي الصدارة منها استيعاب التطورات الجديدة في العالم، وبناء مفاهيم لإحترام التعددية في الايمان والتفكير والانتماء في عصر غدت هذه المفاهيم ارادة عالمية لجميع المجتمعات الانسانية بدون استثناء مما يعني ان نكران هذه الحقوق نكران لحقائق العصر، بل تحديد لمضامين ونصوص دينية، تقوم على ان الدين لا يقوم على اكراه، بل يسعى الى اقامة نوع جديد من التعايش بين عداوات قديمة، كان من الصعب تفكيك كراهيتها التي اباحت القتل والصدام. الوثيقة هي دعوة لجميع الاديان الاخرى في العالم بأن تعترف بما الحق صفحة العلاقات التاريخية بين مذاهبها والاديان والطوائف الدينية الاخرى من سوء سود العديد منها طيلة قرون طويلة، كما انها تنسجم مع مبادئ السلام ورفض العنف الى درجة القداسة، والتسامح الذي اخذ طريقه الى قواعد العمل بين الدول والامم والشعوب التي تستمد الكثير من جداولها من تلك المبادئ السامية، والذي سيدين بكل وضوح ما قامت به النزاعات الدينية المتطرفة بحملات العنف اللاديني لمعاقبة شعوب وديانات ومذاهب بإسم الدين، فقد كان وسيظل براء من كل اعمال التنكيل التي قادتها وتقودها اليوم قوى الظلام في العراق، مؤسسات ارهابية تمنح نفسها صفة الدين، ضد المرأة والعلم والتطور وحق التفكير، وحق وجود الآخر، على مر العصور، فلا مندوحة من الحوار بين عقلاء اي قوم لتجنيب الشعوب والبشرية ويلات التصادم، لأن الدين يظل بمثابة البوابة التي تنزع اليها المجتمعات اول ما تنزع حينما تتعرض هويتها للاستلاب الى التمسك بمقوماتها الروحية.

الصفحة السابقة