|
قصة الابادة في رواندا... مليون شخص قتل في 100
يوم !
الطائرة سقطت فقامت القيامة:
في نفس المطار من جديد، ليلة السادس من نيسان في عام 1994. يلقي أحد
القوميين المتشددين بياناً في الإذاعة الخاضع لرقابه الهوتو قائلاً:
"غدا سيحدث شيء مهم وستتغير أشياء كثيرة !"، وبالفعل يتحقق الحدث
المنتظر. فقد تم ضرب الطائرة التي كانت تقل رئيسا دولتي رواندا
وبوروندي في أثناء استعدادها للهبوط في مطار كيجالى. ويفقد كلا
الرئيسين حياتهما على اثر هذا الهجوم الذي لم يُعرف حتى الآن منفذوه.
وبعد ذلك قامت القيامة في البلاد.
الهوتو و التوتسي ينحدران من نفس الأصول:
لا يمكن اعتبار أن الصراع القائم بين قبائل الهوتو و التوتسى التي تعيش
على أرض رواندا وبوروندي الحالية منذ 10 قرون والتي تنحدر من نفس
الأصول العرقية لا يمكن اعتبارها، وكما يظن البعض بهذا القدم والعمق.
فقد بدأ كل شيء منذ أن وطأت قدم الدّول الغربية المستعمرة أرض البلاد.
فقد كانت رواندا و بوروندي تتبع إدارة الاحتلال الألماني في شرق
أفريقيا والذي بدأ في التسعينات من القرن التاسع عشر. ثم انتقلت إدارة
هذه المنطقة إلى البلجيكيين بمساعدة الإنجليز. ومع هذا بدأت أولى رياح
التمييز العنصري تهب على رواندا. فلم تكن كروت الهوية "بطاقات إثبات
الهوية" لتعطى إلى الأهالي في المنطقة التي يسكنها السود من الهوتو أو
التوتسى إلا ضمن اعتبارات معينة مثل جمال الوجه أو الثراء. فيطلق اسم
توتسى على وسيمي الوجوه ومن تزيد أملاكهم عن عشرة. أمّا اسم هوتو فتطلق
على كل من هو قبيح فقير. وذلك الانحياز البلجيكي إلى التوتسى حتى الحرب
العالمية الثانية عندما بدأت الحركات التحررية في الظهور وأصبح لها
صوتٌ فأدى ذلك إلى عودة زمام الأمور إلى أيدي الهوتو الذين مثلوا
أغلبية وصلت إلى 90% من سكان الدولة آنذاك. ومن هذا التاريخ أخذت
الصراعات العرقية والمذابح الجماعية طريقها إلى هذا البلد.
الهوتو يتلقّون تدريباتهم على أيدي الفرنسيين:
قام الهوتو المسلحون بدعم من بلجيكا بقتل عشرات الآلاف من التوتسى في
عام 1959. ونتيجة لهذا ترك عدد كبير وصل إلى 200 ألف شخص موطنه خشية
التعرض أيضاً للإبادة الجماعية ليعيشوا في مخيمات اللاجئين في تنزانيا
و أوغندا المجاورتين. وبعد إعلان الاستقلال في عام 1962 قامت الحكومة
ذات الأصول الهوتية باستصدار قوانين جديدة للتضييق على حياة التوتسي.
وتحولت الدولة إلى أرض يسكنها الهوتو فقط. فقد تخطى عدد التوتسي ممن تم
نفيهم مع ازدياد وتيرة الهجمات في البلاد إلى نصف مليون شخص. بعد ذلك
قام التوتسي بدافع من حبهم لرواندا ودفاعاً عن حقوق المسلمين من شعبها
بتأسيس جماعة أطلق عليها اسم جماعة محبي "رواندا". وفى هذه المرة بدأت
الصراعات المسلحة اعتباراً من أوائل التسعينات بين الحكومة الرواندية
وجماعة محبي رواندا. وبعد أن توقف إطلاق النار في آب 1992 بدأ القوميون
الهوتو في استخراج بطاقات الهوية للتوتسي و الفئات المعتدلة من الهوتو
في ظل تواجد المجموعات نصف المسلحة في جميع أنحاء البلاد. وفي نفس
العام بدأت فرنسا تتولى مسألة تدريب جيش الهوتو، وتم زيادة أعداد
الجنود فيه إلى ستة أضعاف. وفي هذه الأثناء يتم فتح الصناديق الغامضة
التي تم استيرادها من الصين. وبداخل هذه الصناديق وجدت مئات الآلاف من
السواطير الحادة التي من المؤكد أنها لم تُجلب لا من أجل الحيوانات ولا
من أجل الزّراعة. بعد ذلك أخذت جماعات الهوتو تكثّف من تدريباتها في
معسكرات المتطوعين التي تم افتتاحها لهذا الغرض. وبنهاية هذه التدريبات
كان يتم توزيع السواطير على الجنود، ومن لم يتبقّ له كان يأخذ ألواح
خشبية مدبّبة الطرف.
(الموت لكل الحشرات ! ):
نبأ أذاعه الراديو الرسمي للهوتو: " اقتلوا كل الحشرات، الموت لكل
الحشرات". وبعد موت رئيس جمهورية رواندا أخذ الهوتو يوسّعون من هجماتهم
التي تجاوزت مرحلة الهجمات الصغيرة المنظمة إلى شكل أوسع وأكبر هو
المذابح الجماعية. فبدأ الجيش الرواندي الرسمي وميليشيات "أنترأحمه"
القيام بأعمال دموية شملت الدولة كلها.
مليون قتيل في 100 يوم:
لقد شهد هذا التاريخ واحدة من أكبر المذابح الجماعية بشاعةً. وفى حين
وجهت دول أوربا كل اهتمامها إلى البوسنيين في وسط أوربا والذي صادف أن
تتعرض البوسنة إلى مذبحة أيضاً في نفس الوقت نجدهم قد تجاهلوا تماماً
ما يحدث في رواندا. ففي خلال مائة يوم تم قتل مليون شخص من الهوتو
المعتدلين والتوتسى. وهذا يعني أن عشرة آلالف شخص كانوا يسقطون قتلى كل
يوم، وهذه الأعداد لم نرها قط سوى في الحرب العالمية، وفي حادثة
القنبلة النووية في هيروشيما ونجازاكي.
الأمم المتحدة قالت للقتلة "تدبروا أموركم" ! :
بدأت الحرب في رواندا تحت مرأى ومسمع الغرب، بل وبدعم منه أيضاً. فقد
تواجد و منذ اليوم الأول للمذابح الجماعية نحو خمسة آلاف جندي تابع
للأمم المتحدة في المنطقة وكان بمقدور هذه القوات أن توقف هذه الأعمال
غير أن الأمر جاء من كوفى عنان وقتها في واشنطن بأن" لا تتدخلوا حتى لا
تتعرضوا للهجمات". وهذا يذكرنا بالعمليات التي تمت في الصومال قبل بضع
سنوات دون أن تتحقق ثمة النجاح. وفي النهاية غادرت قوات الأمم المتحدة
الدولة بأكملها التي تعرض بعضها للقتل مخاطبة القتلة: " تدبروا أموركم
". وأخذت الأحداث تتسارع لدرجة أن الهوتو بدءوا فى قتل كل من تقع عليه
أعينهم دون تفريق بين امرأة أو شيخ أو طفل، وتحولت رواندا إلى مقبرة
للتوتسي. و تزامن ذلك مع ارتفاع نسبة الإصابة بمرض نقص المناعة (
الإيدز) عشرات المرات، وتعرض النساء للاغتصاب. وأصبح ميثاق حقوق
الإنسان التابع للأمم المتحدة ومعاهدة جنيف مرة أخرى مجرد أوراق لا
قيمة لها. وما فعله أعضاء مجلس الأمن هو أنهم قد اجتهدوا للإطلاق مسمى
حرب أهلية على ما يحدث فى رواندا تجنّبًاً لاستخدام كلمة إبادة عرقية.
الجنود الفرنسيون يتورطون في المذابح الجماعية:
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فلم تكتف فرنسا بالوقوف فقط إلى جانب
الهوتو بل أقحمت نفسها لتصبح أيضاً أحد أطراف الحرب. ففرنسا هي من وفّر
السلاح أو ساعد في توفيره للقتلة وهي أيضاً من قام بتدريب الوحدات التي
ارتكبت المذابح الجماعية. كما قدّمت فرنسا مساعدات في شكل هبة لا ترد
إلى إدارة الهوتو والحرب على أشدها بل أن الجنود الفرنسيين أنفسهم قد
تورطوا أيضاً في المذابح. وفي الوقت الذي كانت الطائرات الفرنسية تقوم
فيه بنقل و إنزال العتاد الحربي إلى الهوتو كانت الحكومة الفرنسية تنكر
كل ذلك و تدّعي عكس ذلك.
المذابح الجماعية استمرت داخل المنطقة المحروسة:
وفى أثناء وقوع المذابح الجماعية دخلت جماعة محبي رواندا إلى البلاد
وأطلعت على الوضع في المناطق المختلفة حتى العاصمة كيجالى. عندها تحركت
فرنسا وكأنها تذكرت أخيرًا أن هناك مذابح جماعية ترتكب في هذا البلد،
وقامت بإرسال فرق لمتابعة الموقف في المنطقة من كيجالى حتى حدود
الكونغو. وأعلنت هذه المنطقة منطقةً مراقبة. وما حدث بعد ذلك أن أعمال
المذابح الجماعية لم تتوقف بل على العكس من ذلك ازدادت وتيرتها سرعةً
تحت مرأى و مسمع من الفرنسيين. وفى حين لم تمنع فرنسا بنفسها حدوث
المذابح الجماعية نجدها تمنع جماعة محبّي رواندا من الدخول إلى
المنطقة. و كانت نتيجة ذلك أن فقد 200 ألف شخص آخرين حياتهم في
الميدان.
قتل 50 ألف شخص قتلوا بالسيوف خلال يومين في
مورامبي:
وصلنا إلى منطقة مورامبي في جيكونجورو الواقعة داخل المنطقة المراقبة .
قرأنا الآتي عند دخولنا المنطقة: " نحن نتذكر المذابح الجماعية ونثق في
عدالة المحاكمات. نعمل على تعديل كل شئ هنا، ونحن نمتلك كل شيء هنا بعد
المذابح".
في واحدة من أبشع المذابح الجماعية تم قتل 50 ألف شخص خلال يومين فقط
في منطقة موارمبي. جلسنا إلى "أمانول مورانجيرا" وهو واحد من سكان هذه
المنطقة الذين نجوا من تلك المذابح واستمعنا إليه. فقد موارنجيرا في
نيسان 1994 زوجته و أبناءه الخمسة وكذلك 43 من أقربائه . لقد أراد
مورانجيرا وعائلته وخمسون ألفاً من الأبرياء الالتجاء إلى الكنيسة
الموجودة في المنطقة للاحتماء بها، إلا أن الراهب أغسطين بساجو أرسل به
والآخرين معه إلى منطقة مورامبي التي تبعد عن هنا مسيرة ساعة ونصف تحت
دعوى أنهم سيكونون أكثر أمناًً هناك. ولم يكن ليعرف القتلة مكان
المدرسة التي قصدها هو وعائلته و خمسون ألفاً آخرون لولا تواطؤ الراهب
معهم. وعلى الرغم من أنهم قد تمكنوا في اليوم الأول من صد هجمات القتلة
مستخدمين الأحجار والهراوات، إلا أن مقاومتهم ما لبثت و أن انهارت بعد
تدخل فرنسا بأسلحة ثقيلة، فسقط خلال يومين فقط 50 ألف إنسان تم قتلهم
جميعاً بالسيوف في شكلٍ بشعٍ.
(الفرنسيون يلعبون ويلهون فوق جثث موتانا!):
يرجع الفضل لله وحده في نجاه مورانجيرا من القتل. و ما حدث هو أن
مورانجيرا أصيب في بداية اليوم الأول للمقاومة وسقط على الأرض. وعندما
سقط فوقه قتلى آخرون ظنوه قد مات، وفي تلك الليلة تمكن متستراً بالظلام
من الزحف إلى مكان مرتفع يقع في الجهة المقابلة من هذا الموقع، وبدأ في
تسلقه حتى وصل إلى إحدى الأشجار وأخذ يتابع ما يحدث من تحتها. وحكى لنا
أنه بعد أن أنهى القتلة أعمالهم جاءوا بالجرّفات التي أخذت تدفع الناس
إلى الحفر التي حفرتها على الرغم من أن كثيرا منهم لم يكن قد فارق
الحياة بعد. بل و قاموا بما هو أكثر إفزاعاً من هذا، فقد قام الجنود
الفرنسيون وفقاً لرواية موراجيرا باللعب واللهو فوق الأرض التي دُفِنت
تحتها جثث الأهالي رغبة منهم في تسويتها وإضاعة أي أثر قد يشير إلى تلك
المذبحة الجماعية.
الأمم المتحدة لم تهتم أيضاً:
لقد زلزلت الذكريات المؤلمة لهذه المذبحة الدولة كلّها، وفي خضم ذلك
استغاث 12 ألف شخص في كيجالى بالأمم المتحدة مطالبين إياها أن توفر لهم
الحماية و الملاذ. إلا أنهم لقوا أيضا نفس مصير إخوانهم. و لكن في هذه
المرة كانت المذبحة في جيوكونجوا، فقد أفسحوا الطريق للقتلة ليفعلوا ما
يريدون و ما يحلوا لهم، وكانت النتيجة وقوع مذبحة جديدة راح ضحيتها 12
ألف شخص.
ونما إلى علمنا أيضاً ونحن نمر بمنطقة قاموني التي قتل فيها 30 ألف
مواطن أن نفس اللعبة الوحشية قد جرت هناك أيضاً.
ومثّلوا بجثثِ الأطفال أيضاً!
لن ننس أبداً كفريق تابع لهيئة الإغاثة والمساعدات الإنسانية ما
شاهدناه في منطقة الذكريات المؤلمة مورامبي. فقد تم عرض جثث مئات
الأطفال من ضحايا المذبحة الجماعية التي تعرضت لها مدرسة هنا تتكون من
24 قاعة درس. لقد اقشعرت أبداننا لدى رؤيتنا ذلك المنظر، فقد رأينا
آثار طعنات السواطير فوق الجثث التي استطعنا تمييزها من بين الأشلاء
المتناثرة والتي ضمت الأطفال والشيوخ. ولعل أبلغ دليل على مدى وحشية
هذه المذابح هو تلك الجماجم المسحوقة والجثث التي فصلت عنها الأذرع
والسيقان.
الكنائس تعود إلى المذابح!
"بوجاسرو" أيضاً هي واحدة من المناطق التي تحولت إلى مجزرة نفذت فيها
المذابح الجماعية. وهذه المنطقة في الأصل عبارة عن مكان فسيح تحيط به
الغابات الكثيفة من كل جانب. وقد طلب رئيس الهوتو في عام 1963 أن يُساق
التوتسي إلى هذه المنطقة لهدف التهجير أولاً و حتى يتمكن من تنفيذ
المذابح الجماعية فيهم بعد ذلك. وقد فقد كثير من الأهالي أرواحهم أثناء
فترة إقامتهم هناك بعد تعرضهم لهجمات الحيوانات المفترسة التي يكثر
وجودها في هذه المنطقة. بعد ذلك قام الهوتو بتقطيع الأشجار وجمع
الموطنين التوتسي إلى هذا المكان ليلقوا مصيرهم في مذبحة جماعية لم تكن
بعيدة في وحشيتها عن تلك التي نُفذت في عام 1992. تلا ذلك أيضاً
بعامين، وبالتحديد في شهر أيار وقوع مذبحة أخرى في إحدى كنائس
"نيئاماطا" راح ضحيتها 10 الاف شخص كانوا قد إلتجأوا إليها أيضاً.
وقد تحولت هذه الكنيسة في وقتنا الحاضر مثلها في ذلك مثل عشرات الكنائس
الأخرى التي ارتكبت فيها المذابح الجماعية إلى متاحف. فلم يختلف الوضع
هنا عما ما رأيناه في مورامبي. فقد تم إخفاء آلاف الجماجم والجثث في
مدافن تحت الكنيسة وفي أماكن خاصة في الحديقة التابعة لها بشكل لا يمكن
معه لأي شخص أن يطّلع عليها.
تسمّرت أعيننا على عبارة خطت فوق باب الكنيسة:
( تذكّر أولئك الذين كانوا يعيشون هنا قبل 12 عاماً. نتوجه بالشكر إلى
جماعة محبي رواندا على ما قاموا به من جهد من أجل تحرير "بوجاسارو"
ولأنهم حررونا من فترة حداد على إخواننا كان من الممكن أن تطول أكثر من
ذلك.)
الجزائر وتونس وفيتنام ورواندا و....و....
تعرضت مئات القرى والمدن أمثال جيكونجورو وبوجاسارو إلى المذابح
الجماعية. وفقد في المائة يوم الأولى من هذه المذابح مليون شخص حياتهم
ليصل إجمالي عدد القتلى إلى مليون و نصف. كما أدى ذلك الوضع إلى نزوح 2
مليون شخص عن وطنهم و انتقلوا للعيش في الدول والمناطق المجاورة
لرواندا. ولعب الفرنسيون الدور الأول في هذه المذابح تماماً كما فعلت
في الجزائر وتونس وفيتنام. كما قدم الفرنسيون دعماً كبيراً للحيلولة
دون إخراج القتلة من البلاد. فعلى الرغم من مرور 12 عاماً على الحرب
فما زال ما يقرب من 120 ألف من مجرمي الحرب ينتظرون حتى الآن المحاكمة
دون جدوى. وتتم محاكمة هؤلاء من جانب المحاكم الرسمية والمحاكم
القومية. وقد شاهدنا في أثناء فترة تواجدنا ضمن برنامج الأضحية هناك
جانباً من هذه المحاكمات. فقد رأينا في كل مدينة دخلنا إليها تقريباً
استمرار هذه المحاكمات في الهواء الطلق. ويتم تصنيف مجرمي الحرب إلى
أشخاص تورطوا بالفعل في المذابح الجماعية وأشخاص قاموا بالسلب والنهب
خلال ذلك، وأشخاص آخرين شاركوا في تلك المذابح دون أن يكون لهم وظيفة
رسمية ( دون شكل رسمي ) والصنف الأخير والأهم هو الأشخاص الذين قاموا
بتنفيذ تلك المذابح. وتتولى المحاكم القومية محاكمة هذا الصنف الأخير
بالذات. وتتألف المحاكم الرسمية من وجهاء المدينة و يساق إلى المحاكم
القومية كل من يشتبه في أقواله.
حكم الإعدام لا يُطبق:
و تصدر المحاكم هناك أحكاما بالإعدام إلا أن تطبيقها يحتاج إلى تصديق
"باول كاجامه" رئيس الجمهورية. ويضع كاجامه في اعتباره في حالة التصديق
على الحكم بإعدام أي شخص أن يكون هذا الشخص المتورط في المذابح
الجماعية قد قتل ما يزيد عن مائتي ألف شخص، وأنه سيتسبب في إثارة عدم
الاستقرار و الاضطراب في البلاد من جديد.
قطع العلاقات الرواندية الفرنسية:
قامت رواندا اعتباراً من تشرين الأول عام 2006 بقطع كافة علاقاتها مع
فرنسا. فقد أدان كاجامه اشتراك فرنسا في تنفيذ المذابح الجماعية على
الرغم من محاولة فرنسا التملص من أي صلة لها بذلك، كما قدم ثمانية من
الكبار المسئولين الروانديين إلى المحاكمة أيضاً. حسناً هذا جيد ولكن
ترى من سيحاكم القتلة من الفرنسيين؟ سؤال لا يُعرف له إجابة حتى الآن.
تضاعف عدد المسلمين ثلاث مرات في عشر سنوات:
و على الرغم من كل ما حدث إلا أن هناك جماعة واحدة فقط في رواندا لم
تتورط في تلك المذابح ولم تتلطخ أيديها بدماء الأبرياء: هذه الجماعة هي
المسلمون. فقد وقفوا إلى جانب من التجأ إليهم من التوتسي الأبرياء طيلة
تلك الفترة. ولم يقوموا بتسليم جيرانهم في ظروفهم الصعبة تلك إلى
القتلة، فكانت هديتهم على تصرفهم النبيل هذا هي تضاعف عدد المسلمين
هناك إلى ثلاثة أضعاف خلال عشرة سنوات. فقد ترك السواد الأعظم من
الكاثوليك دينهم واعتنقوا الإسلام. وقد لخّص "نيتا جوجيرا" راهب
الكنيسة في كيجالي وضع المسيحيين بعد الحرب بمقولته: "لقد اهتزت ثقة
الناس فينا بعد المذابح الجماعية التي جرت في البلاد. ولم نعد في موقف
يمكن أن ندعوا فيه المسيحيين بالعودة مرة أخرى). و فيما يلي عرض لبعض
ما قاله أشخاص من التوتسي تعليقاً على مواقف المسلمين النبيلة معهم:
فبعضهم قال: "مات الناس الذين كانوا في كنيستي القديمة و قدم الرهبان
المساعدة إلى القتلة لتنفيذ ذلك"، وقال البعض الآخر: "بدأتُ مع هذه
المذابح الجماعية أراجع نفسي بشأن عقيدتي. وعندما علمت أن الأشخاص
الذين كنت أقف أشاركهم الدعاء هم من تسبب في قتل أمي وأبى فضلت أن أكون
مسلماً". في حين قال بعضهم أيضا بعد أن اختاروا الدين الحق: "عندما
فكرت فيما قام به المسلمون من أجلنا أحسست أن وقت التغيير قد حان). فقد
رأى التوتسي أن المسلمين هم المناضلين من أجل الحرية. ويواصل عدد
المسلمين ارتفاعه في رواندا بعد أن بلغ 1 مليون نسمة أي بنسبة 15% من
إجمالي عدد السكان.
ويتغلب الحب على البغض والكراهية.....
ويحاول الحب في رواندا التغلب على مشاعر البغض والكراهية في الوقت
الحالي، فتغلب على الدولة حالة من السكينة والطمأنينة النسبية. ويقال
إن نسبة الجريمة قد وصلت هناك إلى " الصفر". و قد تم أيضا تمزيق
الهويات العنصرية التي تصنف هذا من الهوتو وذاك من التوتسي و تحاول
الدولة بدلاً منها نشر مفهوم المواطن الرواندي. إلا أنه مازال هناك
عشرات الآلاف من الأطفال اليتامى ممن تُركوا وحيدين لأحزانهم وهم
ينتظرون من يأخذ بأيديهم. كما أن هناك أيضاً أزواج وزوجات انشغلوا في
أحزان فقدانهم رفقاءهم الذين قتلوا لا لجرم اقترفوه سوى أنهم من
التوتسي أومن الهوتو المتعدلين الذين رفضوا الاشتراك في هذه المذابح
الجماعية. وقد أعطت الصورة السيئة التي ظهرت عليها الكنائس وقبولها أن
تكون مدافن للأبرياء تصوراً لتلك الحرب الهدامة التي شهدتها البلاد.
عدنا بعد ذلك من رواندا التي لا نكون مخطئين إذا قلنا إنها تحملت من
الأحزان ما تعجز عن حمله الجبال، إلا أننا خلّفنا وراءنا نساء وشيوخا
وأطفالا عرفت البسمة طريقاً إلى وجوههم. وندعو الله ألا تتكرر فيها
المذابح الجماعية مرةً أخرى و ألا يأتي على هذا البلد عام آخر مثل عام
1994 بما فيه من مآس وأحزان.
عن موقع هيئة الإغاثة والمساعدات الإنسانية في
تركيا تحت عنوان "القيامة الحمراء في رواندا" منشور في 26 / 3 / 2007م
 |