اضواء على الاضطهاد والكراهية التي صبها اباطرة روما الكاثوليكية على الاقباط الآرثوذكس في مصر

 
  • كتب القمص زكريا بطرس في كتابه (انشقاق الكنائس) ، ص12 ، ما نصّه: (وكان الاقباط يرسمون بطريركهم سراً وكان لا يُسمح لهم بدخول الاسكندرية ، وظل الحال على هذا الوضع حتى دخول العرب مصر وتخلص الاقباط من سلطة الرومان وبطاركة الروم "الملكيين").

  • ففي تلك القرون الستة التي سبقت ظهور الاسلام عاشت المسيحية الشرقية - تحت نير الاستعمار الروماني - ديانة سرية مضطهدة ومطاردة ومتهمة بالهرطقة، لدرجة أن اغتصب الرومان كنائسها وأديرتها - بعد تدينهم بالمسيحية.. منذ الانشقاق الذي حدث في «مجمع خلقدونية» سنة 451م، وتكون «المذهب الملكاني» الروماني، المعادي للنصرانية الشرقية.. فتواصل الاضطهاد الروماني للنصرانية الشرقية بعد اعتناق روما للنصرانية، كما كان الحال في عصر وثنية الرومان!

    ولقد استمر هذا الاضطهاد، الذي هربت منه قيادات المسيحية الشرقية إلى الصحاري والجبال والمغارات.. والذي تؤرخ الكنائس الشرقية حتى الآن بمجازره ضد أنصارها، فتسميه «عصر الشهداء»!

    عاشت المسيحية الشرقية هذا التاريخ، حتى جاء الفتح الإسلامي فحرر أوطانها من القهر السياسي والحضاري والثقافي والاقتصادي.. وحرر ضمير رعاياها من القهر الديني.

    وظلت هذه المسيحية الشرقية وكنائسها واعية بذكريات هذا التاريخ الدموي.. وعارفة ومعلنة عن فضل الإسلام وفتوحاته التحريرية في إنقاذها من الهلاك والانقراض.

    فشاهد العيان على الفتح الإسلامي لمصر، الأسقف «يوحنا النقيوسي» هو القائل: "إن الله الذي يصون الحق، لم يهمل العالم، وحكم على الظالمين، ولم يرحمهم لتجرئهم عليه، وردهم إلى يد الإسماعيليين [العرب المسلمين]، ثم نهض المسلمون وحازوا كل مصر.. وكان هرقل حزينًا.. وبسبب هزيمة الروم الذين كانوا في مصر، وبأمر الله الذي يأخذ أرواح حكامهم.. مرض هرقل ومات.. وكان المسلمون يأخذون الضرائب التي حددها الاسلام ، ولم يأخذوا شيئًا من مال الكنائس، ولم يرتكبوا شيئًا ما، سلبًا ونهبًا، وحافظوا على الكنائس طوال الأيام".

    كما تحدث هذا الأسقف عن الأمان الذي أعطاه المسلمون للبطرك "بنيامين" بطرك المصريين - الذي كان هاربًا من مطاردة الرومان ثلاثة عشر عامًا - وعن عودته إلى رعيته.. واستقبال عمرو بن العاص له.. وزيارة البطرك للكنائس التي حررها له الإسلام.. والسعادة التي عبر عنها وأعلنها بما صنع الفتح الإسلامي للنصرانية المصرية.. فقال الأسقف يوحنا النقيوسي: [ «ودخل الأنبا «بنيامين» بطريرك المصريين، مدينة الإسكندرية، بعد هربه من الروم ثلاثة عشر عامًا.. وسار إلى كنائسه، وزارها كلها، وكان كل الناس يقولون: هذا النفي، وانتصار الإسلام، كان بسبب ظلم هرقل الملك، وبسبب اضطهاد الأرثوذكسيين.. وهلك الروم لهذا السبب، وساد المسلمون مصر.. وخطب الأنبا «بنيامين» - في دير «مقاريوس» - فقال: لقد وجدتُ في الإسكندرية زمن النجاة والطمأنينة اللتين كنت أنشدهما، بعد الاضطهادات والمظالم التي قام بتمثيلها الظلمة المارقون» ].

    وبعد الأسقف «يوحنا النقيوسي» بعدة قرون، يشهد الأسقف «ميخائيل السرياني» على ذات الحقيقة، فيقول عن تحرير الإسلام للمسيحية المصرية والشرقية، وعن سماحة الإسلام مع النسيحيين في مصر: "لم يسمح الإمبراطور الروماني لكنيستنا المونوفيزتية [القائلة بالطبيعة الواحدة للمسيح] بالظهور، ولم يصغ إلى شكاوى الأساقفة فيما يتعلق بالكنائس التي نهبت، ولهذا، فقد انتقم الرب منه. لقد نهب الرومان الأشرار كنائسنا وأديرتنا بقسوة بالغة، واتهمونا دون شفقة، ولهذا جاء إلينا، أبناء إسماعيل من الجنوب لينقذونا من أيدي الرومان، وتركنا العرب نمارس عقائدنا بحرية، وعشنا في سلام".

    ولما حرر المسلمون كنائس مصر وأديرتها من الاغتصاب الروماني، وردوها إلى أهلها «خرج للقائه ـ اي عمرو بن العاص ـ من أديرة وادي النطرون سبعون ألف راهب، بيد كل واحد عكاز، فسلموا عليه وكتب لهم كتابًا [بالأمان] هو عندهم» - في أديرتهم.

    وحتى القرن العشرين، ظل المؤرخون المسيحيون الوطنيون يشهدون على هذه الحقيقة - حقيقة إنقاذ الإسلام للمسيحية الشرقية من الإبادة الرومانية - فكتب صاحب كتاب [تاريخ الأمة المسيحية] -يعقوب نخلة روفيله - يقول: ولما ثبت قدم العرب في مصر، شرع عمرو بن العاص في تطمين خواطر الأهلين واستمالة قلوبهم إليه، واكتساب ثقتهم به، وتقريب سراة القوم وعقلائهم منه، وإجابة طلباتهم.

    وأول شيء فعله من هذا القبيل: استدعاء «بنيامين» البطريرك، الذي اختفي من أيام هرقل ملك الروم، فكتب أمانا أرسله إلى جميع الجهات يدعو فيه البطريرك للحضور، ولا خوف عليه ولا تثريب، ولما حضر وذهب لمقابلته ليشكره على هذا الصنيع، أكرمه وأظهر له الولاء، وأقسم له بالأمان على نفسه وعلى رعيته، وعزل البطريرك الذي كان أقامه هرقل، ورد «بنيامين» إلى مركزه الأصلي معززًا مكرمًا.. وكان «بنيامين» موصوفًا بالعقل والمعرفة والحكمة، حتى سمّاه بعضهم «بالحكيم».. وقيل: إن عمرًا لما تحقق ذلك منه، قربه إليه، وصار يدعوه في بعض الأوقات ويستشيره في الأحوال المهمة المتعلقة بالبلاد وخيرها، وقد حسب المسيحيين هذا الالتفات منَّة عظيمة وفضلاً جزيلاً لعمرو.

    واستعان المسلمون في تنظيم البلاد بفضلاء المسيحيين وعقلائهم على تنظيم حكومة عادلة تضمن راحة الأهالي، فقسم البلاد إلى أقسام يرأس كلا منها حاكم مسيحي ينظر في قضايا الناس ويحكم بينهم، ورتب مجالس ابتدائية واستئنافية مؤلفة من أعضاء ذوي نزاهة واستقامة، وعيّن نوابًا من المسيحيين ومنحهم حق التداخل في القضايا المختصة بالمسيحيين والحكم فيها بمقتضى شرائعهم الدينية والأهلية، وكانوا بذلك في نوع من الحرية والاستقلال المدني، وهي ميزة كانوا قد جردوا منها في أيام الدولة الرومانية.

    وضرب المسلمون الخراج على البلاد بطريقة عادلة.. وجعلوه على أقساط، في آجال معينة، حتى لا يتضايق أهل البلاد. وبالجملة، فإن المسيحيين نالوا في أيام الفتح الاسلامي راحة لم يروها من أزمان.

    الصفحة السابقة